ابن قيم الجوزية

523

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدا . وأثنى على قائله . إذا تبين هذا . فهذه الفرقة الثالثة : رأت أن هذه الصفات ما خلقت سدى ولا عبثا . وأنها بمنزلة ماء يسقى به الورد ، والشوك ، والثمار ، والحطب ، وأنها صوان وأصداف لجواهر منطوية عليها . وأن ما خاف منه أولئك هو نفس سبب الفلاح والظفر . فرأوا أن الكبر نهر يسقى به العلو والفخر ، والبطر والظلم والعدوان . ويسقى به علو الهمة ، والأنفة ، والحمية ، والمراغمة لأعداء اللّه ، وقهرهم والعلو عليهم . وهذه درة في صدفته . فصرفوا مجراه إلى هذا الغراس . واستخرجوا هذه الدرة من صدفته . وأبقوه على حاله في نفوسهم . لكن استعملوه حيث يكون استعماله أنفع . وقد « رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم أبا دجانة يتبختر بين الصفين . فقال : إنها لمشية يبغضها اللّه ، إلا في مثل هذا الموضع » . فانظر كيف خلّى مجرى هذه الصفة وهذا الخلق يجري في أحسن مواضعه . وفي الحديث الآخر - وأظنه في « المسند » - « إن من الخيلاء ما يحبها اللّه . ومنها ما يبغضها اللّه . فالخيلاء التي يحبها اللّه : اختيال الرجل في الحرب ، وعند الصدقة » . فانظر كيف صارت الصفة المذمومة عبودية ؟ وكيف استحال القاطع موصلا ؟ فصاحب الرياضات ، والعامل بطريق الرياضات والمجاهدات ، والخلوات : هيهات هيهات ، إنما يوقعه ذلك في الآفات ، والشبهات ، والضلالات . فإن تزكية النفوس مسلّم إلى الرسل . وإنما بعثهم اللّه لهذه التزكية وولاهم إياها . وجعلها على أيديهم دعوة ، وتعليما وبيانا ، وإرشادا ، لا خلقا ولا إلهاما . فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم . قال تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 2 ) [ الجمعة : 2 ] وقال تعالى : كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 ) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) [ البقرة : 151 ، 152 ] . وتزكية النفوس : أصعب من علاج الأبدان وأشد . فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة ، التي لم يجئ بها الرسل : فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه « 1 » ، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب ؟ فالرسل أطباء القلوب . فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم ، وعلى أيديهم ، وبمحض الانقياد ، والتسليم لهم « 2 » . واللّه المستعان . فإن قلت : هل يمكن أن يقع الخلق كسبيا ، أو هو أمر خارج عن الكسب ؟ . قلت : يمكن أن يقع كسبيا بالتخلق والتكلف . حتى يصير له سجية وملكة وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأشج عبد القيس رضي اللّه عنه « إن فيك لخلقين يحبهما اللّه : الحلم ، والأناة . فقال : أخلقين تخلقت بهما . أم جبلني اللّه عليهما ؟ فقال : بل جبلك اللّه عليهما ، فقال : الحمد للّه الذي جبلني على خلقين يحبهما اللّه ورسوله » .

--> ( 1 ) بل كالذي يعالج نفسه بجهله وسفهه . ( 2 ) لأنهم يبلغون عن اللّه . واللّه معهم رقيب ومعين .